محمد أبو زهرة
1526
زهرة التفاسير
والنص القرآني والحديث النبوي استعارة تمثيلية لإحاطة البخل بصاحبه يوم القيامة ، وإنها إحاطة إيلام ، وفيها بيان أن السعادة الوقتية للاكتناز والبخل في الدنيا ستكون يوم القيامة بؤسا شديدا ، وشقوة وإيلاما . بهذا النص الكريم تبين قبح البخل ، ويتبين مقام الإنفاق في سبيل اللّه ولكن ما حد البخل ؟ وما حد السرف ؟ وبهذين الحدين يتبين الإنفاق الحلال والقصد . لقد قرر العلماء أن الإنفاق في سبيل اللّه تعالى لا إسراف فيه قط ، ولو كان بكل المال وأنه يروى أن عمر بن الخطاب تبرع في إحدى الغزوات بنصف ماله ، وأن أبا بكر الصديق تبرع بكل ماله ، فسأله النبي صلى اللّه عليه وسلم قائلا : « ما أبقيت لأهلك ؟ » فقال صديق هذه الأمة : « اللّه ورسوله » « 1 » وقد كان ذو النورين عثمان بن عفان يجهز الجيش كله أحيانا ، كما فعل في ساعة العسرة ، ولم يعد ذلك إسرافا . وقد اتفقوا أيضا على أن الامتناع عن الإنفاق في سبيل اللّه تعالى في عسرة الدولة ، ومداهمة الأعداء لها ، بخل بل هو أقبح البخل وأشده ، ولذلك أجاز الفقهاء فرض ضرائب إذا داهمت الأمة الإسلامية الأعداء وامتنع الأغنياء عن الإنفاق ، وهذا النوع من البخل هو المقصود بهذا النص الكريم . وقد اتفقوا أيضا على أن كل درهم ينفق في معصية هو إسراف ، والخلاصة أن الحد ما بين الإسراف والبخل هو الإنفاق في غير ما أمر اللّه تعالى ، ولذلك يقول ابن عباس : إنفاق ألف في سبيل اللّه لا يكون إسرافا ، وإنفاق درهم في معصية يكون إسرافا . وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ هذا النص الكريم يفيد أربعة معان تؤكد وجوب الإنفاق في سبيل الخير ، والجهاد في سبيل اللّه تعالى :
--> ( 1 ) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح : كتاب المناقب - في مناقب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كليهما ( 3608 ) . كما رواه أبو داود في الزكاة - في الرخصة في ذلك ( 1429 ) ، والدارمي : الرجل يتصدق بجميع ما عنده ( 1601 ) ، وذكره الحافظ ابن حجر في الفتح ( باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى ) .